فصل: قال الثعلبي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن العربي:

قَوْله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} فِيهَا مَسْأَلَتَانِ:

.المسألة الأولى: [في الحبر والراهب]:

الْحَبْرُ: هُوَ الَّذِي يُحْسِنُ الْقَوْلَ وَيُنَظِّمُهُ وَيُتْقِنُهُ، وَمِنْهُ ثَوْبٌ مُحَبَّرٌ، أَيْ جَمَعَ الزِّينَةَ.
وَيُقَالُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا، وَقَدْ غَلِطَ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ، فَقَالَ: إنَّمَا سُمِّيَ بِهِ لِحَمْلِ الْحِبْرِ وَهُوَ الْمِدَادُ وَالْكِتَابَةُ.
وَالرَّاهِبُ هُوَ مِنْ الرَّهْبَةِ: الَّذِي حَمَلَهُ خَوْفُ اللَّهِ عَلَى أَنْ يُخْلِصَ إلَيْهِ النِّيَّةَ دُونَ النَّاسِ، وَيَجْعَلَ زِمَامَهُ لَهُ، وَعَمَلَهُ مَعَهُ، وَأُنْسَهُ بِهِ.

.المسألة الثانية: قَوْلُهُ: {أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}:

رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عَدِيُّ؟ اطْرَحْ عَنْك هَذَا الْوَثَنَ، وَسَمِعْته يقرأ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}.
قَالَ: أَمَا إنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: {وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}؛ بَلْ يَجْعَلُونَ التَّحْرِيمَ لِغَيْرِهِ. اهـ.

.قال السمرقندي:

{اتخذوا أحبارهم} يعني: علماءهم {ورهبانهم}، يعني: أصحاب الصوامع والمتعبدين منهم.
{أَرْبَابًا مّن دُونِ الله}، يعني: اتخذوهم كالأرباب يطيعونهم في معاصي الله تعالى.
قال الفقيه الزاهد: حدثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن القاري قال: حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا الحسن بن يزيد الكوفي، عن عبد السلام بن حرب، عن عطيف بن أعين، عن مصعب بن سعيد، عن عدي بن حاتم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ من سورة براءة {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَابًا مّن دُونِ الله}، قال: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، ولكن كَانُوا إذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوا، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوا».
ثم قال: {والمسيح ابن مَرْيَمَ}، يعني: اتخذوا المسيح ابن مريم ربًا من دون الله تعالى.
{وَمَا أُمِرُواْ}، يقول وما أمرهم عيسى عليه السلام {إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها واحدا لاَّ إله إِلاَّ هُوَ}، يعني: إلا قوله: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبِّى وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلِّ شيء شَهِيدٌ} [المائدة: 117] ويقال وما أُمروا في جميع الكتب إلا ليعبدوا إلها، يعني: ليوحدوا الله تعالى إلها واحدًا.
ثم نزّه نفسه فقال تعالى: {لاَّ إله إِلاَّ هُوَ سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ}، يعني: عما يعبدون من دونه. اهـ.

.قال الثعلبي:

{اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ}
قال الضحاك: علماءهم، وقرأ: رهبان، وأحبار العلماء: واحدهم حَبر وحِبر بكسر الحاء وفتحها والكسر أجود، وكان يونس الجرمي يزعم أنه لم يسمع فيه إلا بكسر الحاء، ويحتج فيه بقول الناس: هذا محبر يريدون مداد عالم، والرهبان من النصارى أصحاب الصوامع وأهل الأصفاد في دينهم، يقال: راهب ورهبان مثل فارس وفرسان، وأصله من الرّهبة وهي الخوف كأنهم يخافون الله: {أَرْبَابًا} سادة {مِّن دُونِ الله} يطيعونهم في معاصي الله.
مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب. فقال: يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك، قال: فطرحته ثم انتصب وهو يقرأ سورة براءة فقرأ هذه الآية: {اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا} من دون الله حتى فرغ منها فقلت له: إنّا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرّمون حلال الله فتحرّمونه، ويحلّون ماحرّم الله فتحلّونه، قال: فقلت: بلى.
قال أبو الأحوص: عن عطاء بن أبي البختري في قول الله عز وجل: {اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا} قال: أما لو أمروهم أن يعبُدوهم من دون الله ما أطاعوهم ولكنّهم أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله فأطاعوهم، فكانت تلك الربوبية.
وقال الربيع: قلت لأبي العالية كيف كانت تلك الربوبية في بني اسرائيل؟ قال: إنهم وجدوا في كتاب الله عز وجل ما أمروا به ونهوا عنه، فقالوا: لن نسبق أحبارنا بشيء فما أمرونا بشيء ائتمرنا ومانُهينا عنه فانتهينا، الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم.
وقال أهل المعاني: معناه اتخذوا أحبارهم ورهبانهم كالأذناب حيث أطاعوهم في كل شيء، كقوله: {قَالَ انفخوا حتى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا} [الكهف: 96] أي كالنار، وقال عبد الله المبارك:
وهل بدّل الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها.
{وَمَا أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلها وَاحِدًا لاَّ إله إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ} نزّه نفسه {عَمَّا يُشْرِكُونَ} القراءة بالياء وقرأ ابن أبي إسحاق بالتاء. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ}
أما الأحبار منهم العلماء، واحدهم حَبْر سمي بذلك لأنه يحبر المعاني أي يحسنها بالبيان عنها.
وأما الرهبان فجمع راهب، مأخوذ من رهبة الله تعالى وخشيته، غير أنه صار بكثرة الاستعمال يتناول نُسّاك النصارى.
وقوله: {أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} يعني آلهة لقبولهم منهم تحريم ما يحرمونه عليهم وتحليل ما يحلونه لهم، فلذلك صاروا لهم كالأرباب وإن لم يقولوا إنهم أرباب، وقد روي مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. اهـ.

.قال ابن عطية:

{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ}
واحد الأحبار حِبر بكسر الحاء، ويقال حَبر بفتح الحاء والأول أفصح، ومنه مداد الحبر، والحَبر بالفتح: العالم، وقال يونس بن حبيب: لم أسمعه إلا بكسر الحاء، وقال الفراء: سمعت فتح الحاء وكسرها في العالم، وقال ابن السكيت الحِبر: بالكسر المداد والحَبر بالفتح العالم، والرهبان جمع راهب وهو الخائف من الرهبة، وسماهم {أربابًا} وهم لا يعبدوهم لكن من حيث تلقوا الحلال والحرام من جهتهم، وهو أمر لا يتلقى إلا من جهة الله عز وجل ونحو هذا قال ابن عباس وحذيفة بن اليمان وأبو العالية، وحكي الطبري أن عدي بن حاتم قال: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب ذهب، فقال: يا عدي اطرح هذا الصليب من عنقك، فسمعته يقرأ {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله}، فقلت يا رسول الله وكيف ولم نعبدهم؟ فقال أليس تستحلون ما أحلوا وتحرمون ما حرموا قلت نعم. قال فذاك، {والمسيح} عطف على الأحبار والرهبان، و{سبحانه} نصب على المصدر والعامل فيه فعل من المعنى لأنه ليس من لفظ سبحان فعل، والتقدير أنزهه تنزيهًا، فمعنى {سبحانه} تنزيهًا له، واحتج من يقول إن أهل الكتاب مشركون بقوله تعالى: {عما يشركون}، والغير يقول إن اتخاذ هؤلاء الأرباب ضرب ما من الإشراك وقد يقال في المرائي إنه أشرك وفي ذلك آثار. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم}
قد سبق في [المائدة: 44] معنى الأحبار والرهبان.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية، فقال: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئًا استحلُّوهْ، واذا حرموا عليهم شيئًا حرّموه» فعلى هذا المعنى: إنهم جعلوهم كالأرباب وإن لم يقولوا: إنهم أرباب.
قوله تعالى: {والمسيحَ ابن مريم} قال ابن عباس: اتخَذوه ربًا. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله والمسيح ابن مَرْيَمَ}
الأحبار جمع حبر، وهو الذي يحسن القول وينظِّمه ويتقنه بحسن البيان عنه.
ومنه ثوب محبرّ أي جمع الزينة.
وقد قيل في واحد الأحبار: حبر بكسر الحاء.
والمفسرون على فتحها.
وأهل اللغة على كسرها.
قال يونس: لم أسمعه إلاَّ بكسر الحاء، والدليل على ذلك أنهم قالوا: مداد حِبر يريدون مداد عالم، ثم كثر الاستعمال حتى قالوا للمداد حبر.
قال الفرّاء: الكسر والفتح لغتان.
وقال ابن السِّكيت: الحِبر بالكسر المداد، والحبر بالفتح العالِم.
والرّهبان جمع راهب مأخوذ من الرّهبة، وهو الذي حمله خوف الله تعالى على أن يخلص له النية دون الناس، ويجعل زمانه له وعمله معه وأنسه به.
قوله تعالى: {أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله} قال أهل المعاني: جعلوا أحبارهم ورُهْبانهم كالأرباب حيث أطاعوهم في كل شيء؛ ومنه قوله تعالى: {قَالَ انفخوا حتى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا} [الكهف: 96] أي كالنار.
قال عبد الله بن المبارك:
وهل أفسد الدّينَ إلاَّ الملوك ** وأحبارُ سوء ورُهبانها

روى الأعمش وسفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البَخْتَرِيّ قال: سئل حذيفة عن قول الله عزّ وجلّ: {اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله} هل عبدوهم؟ فقال لا، ولكن أحَلّوا لهم الحرام فاستحلّوه، وحرّموا عليهم الحلال فحرّموه.
وروى الترمذِيّ عن عدِيّ بن حاتم قال: أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب.
فقال: «ما هذا يا عدِيّ اطرح عنك هذا الوثن». وسمعته يقرأ في سورة براءة {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُون اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} ثم قال: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئًا استحلّوه وإذا حرّموا عليهم شيئًا حرّموه». قال: هذا حديث غريب لا يُعرف إلاَّ من حديث عبد السَّلام بن حرب.
وغُطيف بن أَعْيَن ليس بمعروف في الحديث.
قوله تعالى: {والمسيح ابن مَرْيَمَ} مضى الكلام في اشتقاقه في آل عمران.
والمسيح: العَرَق يسيل من الجبين.
ولقد أحسن بعض المتأخرين فقال:
أفرح فسوف تألف الأحزانا ** إذا شهدت الحشر والميزانا

وسال من جبينك المسيح ** كأنه جداول تسيح

ومضى في النساء معنى إضافته إلى مريم أمّه. اهـ.

.قال الخازن:

قوله سبحانه وتعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} يعني اتخذ اليهود والنصارى علماءهم وقراءهم والأحبار العلماء من اليهود والرهبان أصحاب الصوامع من النصارى أربابًا من دون الله يعني أنهم أطاعوهم في معصية الله تعالى وذلك أنهم أحلوا لهم أشياء وحرموا عليهم أشياء من قبل أنفسهم فأطاعوهم فيها فاتخذوهم كالأرباب لأنهم عبدوهم واعتقدوا فيهم الإلهية.
عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: «يا عدي اطرح عنك هذا الوثن». وسمعته يقرأ في سورة براءة {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} فقال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب.
قال عبد الله بن المبارك:
وهل بدل الدين إلا الملوك ** وأحبار سوء ورهبانها

{والمسيح ابن مريم} يعني اتخذوه إلهًا وذلك لما اعتقدوا فيه النبوة والحلول اعتقدوا فيه الإلهية {وما أمروا} يعني وما أمروا في الكتب القديمة المنزلة عليهم على ألسنة أنبيائهم {إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا} لأنه سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة لا غيره {لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} أي تعالى الله وتنزه عن أن يكون له شريك في العبادة والأحكام وأن يكون له شريك في الإلهية يستحق التعظيم والإجلال. اهـ.

.قال أبو حيان:

{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم}
تعدت اتخذ هنا المفعولين، والضمير عائد على اليهود والنصارى.